قصة قصيرة: جلباب أبي
بقلم: أ.د. أحمد سلامة
(مؤسس مشروع أدبيات الرياضيات)
في سوقٍ قديمٍ يضجُّ بالنداءات والصفقات، كان أبي يدخل وكأنّه يدخل محرابًا. لم يكن يحمل في يده سوى ميزانٍ من الصدق، ولم يكن يضع على كتفه سوى عباءةٍ من الرجولة.
كان الجلباب الأبيض الذي يرتديه يشيع في المكان نورًا من الطمأنينة، وكأنّ كل خيطٍ فيه يروي حكاية يدٍ لم تمتد إلا بالخير.
كنتُ أتبعه أرى التجار يتسابقون إلى كلمته، فهي عندهم عهدٌ لا يُكسر، وابتسامته دعاءٌ لا يُرد. لم يكن يساوم على الضمير، بل كان يبيع ويشتري وكأنّه يوزّع الرحمة بين الناس.
وذات يوم، حين غاب أبي عن الدنيا، بقي جلبابه معلقًا في صدر البيت. لم يكن مجرد ثوب، بل كان كتابًا مفتوحًا على صفحات القيم. كلما ارتديته، شعرت أنّني أرتدي مبدأً لا مقاسًا، وأنّني أحمل ميراثًا لا يُشترى.
